في سلطنة عُمان، لا يمكن فهم التحول الذي شهدته البلاد خلال العقود الأخيرة من دون التوقف عند تطور التعليم العالي والبحث العلمي. وفي قلب هذا التحول تقف جامعة السلطان قابوس في مسقط، بوصفها أول جامعة حكومية في السلطنة، وأحد أبرز مراكز التعليم والبحث العلمي فيها.
وبالنسبة إلى المهتمين بالسياحة الثقافية والعلمية، لا تمثل الجامعة مجرد موقع معماري يمكن زیارته أثناء زيارة مسقط، بل تقدم فرصة للتعرف إلى جانب مؤسسي من تاريخ عُمان الحديثة: كيف انتقلت البلاد من مرحلة بناء منظومة التعليم العالي إلى إنشاء مؤسسة أكاديمية تشارك اليوم في البحث العلمي وشبكات المعرفة الدولية.
بدأت قصة جامعة السلطان قابوس عندما أعلن المغفور له جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور آل سعيد عن مشروع إنشاء الجامعة عام 1980، وبدأت أعمال البناء عام 1982، قبل أن تستقبل الجامعة أول دفعة من الطلاب عام 1986. وكانت البداية بخمس كليات هي كلية الطب والعلوم الصحية، وكلية الهندسة، وكلية العلوم الزراعية والبحرية، وكلية التربية، وكلية العلوم. ثم توسعت المؤسسة تدريجياً، فأُنشئت كلية الآداب عام 1987، وكلية التجارة والاقتصاد عام 1993، وكلية الحقوق عام 2006، وكلية التمريض عام 2008. وتضم الجامعة اليوم تسع كليات تغطي مجموعة واسعة من التخصصات الأكاديمية.
وتشير بيانات الجامعة المنشورة عام 2026 إلى أن عدد خريجيها منذ تأسيسها بلغ 74,005 خريجين، بينهم 66,526 في مرحلة البكالوريوس و7,479 في الدراسات العليا. كما أظهرت مؤشرات الأداء المؤسسي للجامعة لعام 2025 نسبة رضا بلغت 85% في سوق العمل عن خريجيها، إلى جانب نشر 1,851 بحثاً في دوريات علمية محكّمة خلال العام نفسه.

أحد المؤشرات المهمة لفهم موقع جامعة السلطان قابوس هو حضورها في التصنيفات الدولية. ففي ففي تصنيف QS العالمي للجامعات لعام 2027،حصلت الجامعة على المرتبة 306 عالمياً، متقدمة 28 مركزاً مقارنة بالمرتبة 334 في تصنيف 2026. واعتمد تصنيف QS 2027 على تقييم 8,808 جامعات من 106 دول، مع إدراج 1,504 مؤسسات في التصنيف النهائي.
أما على المستوى العربي، فقد جاءت جامعة السلطان قابوس في المرتبة الثامنة في تصنيف QS للجامعات في المنطقة العربية 2026، لتكون بذلك الجامعة العُمانية الأعلى ترتيباً في هذا التصنيف. ويضم التصنيف عدداً كبيراً من مؤسسات التعليم العالي في المنطقة العربية.
تكشف التصنيفات الموضوعية عن جانب أكثر تحديداً من أداء الجامعة. ففي تصنيفات QS العالمية للجامعات حسب التخصص2026 أُدرجت جامعة السلطان قابوس في تصنيف 20 تخصصاً أكاديمياً، جاء 19 منها ضمن أفضل 500 تخصص أكاديميعالمياً.
واللافت بصورة خاصة هو ترتيب بعض التخصصات:
هندسة البترول: المرتبة 17 عالمياً
التمريض: المرتبة 25 عالمياً
إدارة المكتبات والمعلومات: المرتبة 44 عالمياً
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة عند النظر إلى طبيعة الاقتصاد والمجتمع العُماني، إذ ترتبط بعض نقاط القوة الأكاديمية في الجامعة بمجالات ذات أهمية استراتيجية للسلطنة، مثل الطاقة والهندسة والعلوم الصحية.
لا تقتصر أهمية الجامعة على التعليم وتخريج الطلاب. فالبحث العلمي يمثل أحد المكونات الأساسية في نشاطها الأكاديمي. ووفق تقرير نشرته الجامعة في يناير 2026، تجاوز عدد المخرجات البحثية العلمية المفهرسة في قاعدة Scopus خلال عام 2025 حاجز 2,100 مخرج، مع تسجيل نمو تراكمي في الإنتاج البحثي قُدّر بنحو 35% خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2025.

وتشمل البيئة البحثية في الجامعة مجالات متعددة، من الهندسة والطاقة والعلوم الطبية إلى المياه والبيئة والعلوم البحرية والتكنولوجيا، إلى جانب العلوم الإنسانية والاجتماعية. كما تضم الجامعة مراكز بحثية متخصصة، من بينها مركز الدراسات العُمانية الذي يركز على الدراسات التاريخية والاجتماعية والثقافية المتعلقة بعُمان.
هذا المركز مصدر للدراسات الاجتماعية والثقافية والتاريخية حول عُمان، ويستقبل الباحثين المهتمين بالدراسات العُمانية من مختلف أنحاء العالم، كما ينظم المؤتمرات والندوات والمحاضرات وورش العمل، وينشر الكتب والدراسات المتعلقة بالمجتمع والثقافة والتراث العُماني.
يمكن أيضاً ملاحظة الحضور الدولي للجامعة من خلال بعض أعضاء هيئة التدريس والباحثين فيها. ففي كلية الطب والعلوم الصحية، أُدرج الدكتور سريجيت داس عام 2024 ضمن أفضل 2% من الباحثين في العالم في مجال الطب. وفي كلية الهندسة، يشغل الدكتور محمد رضا نيكو وقد حصل عام 2024 على الجائزة الوطنية العُمانية للبحث العلمي، وأُدرج ضمن أفضل 2% من العلماء عالمياً. ولا يقتصر الحضور الدولي المرتبط بالجامعة على العلوم التطبيقية. فمن الشخصيات الأكاديمية والأدبية المرتبطة بجامعة السلطان قابوس الكاتبة العُمانية الدکتورة جوخة الحارثي، وقد فازت روايتها سيدات القمر بجائزة مان بوكر الدولية عام 2019، لتصبح أول كاتبة عُمانية تفوز بالجائزة.

إلى جانب قيمتها الأكاديمية، يمتلك حرم جامعة السلطان قابوس قيمة معمارية وثقافية واضحة. يقع حرم الجامعة في وادٍ عند سفوح جبال عُمان، واستخدم في بنائها الحجر الرملي الأبيض والوردي، مع الأقواس والساحات الداخلية والعناصر المستوحاة من العمارة العُمانية والإسلامية. كما صُمم الحرم على محور يمتد من البوابة الرئيسية مروراً بالمباني الإدارية والأكاديمية وصولاً إلى مسجد الجامعة.
ويحتل المسجد موقعاً بارزاً في المخطط العام للحرم، إذ يقع على أرض مرتفعة في الطرف الغربي من المحور الرئيسي، وتظهر قبته الكبيرة ومآذنه من نقاط مختلفة داخل الجامعة وحولها. وتكشف هذه المعالجة المعمارية عن محاولة واضحة للجمع بين الوظيفة الحديثة للمؤسسة الجامعية والمرجعية العُمانية والإسلامية في تصميمها.
وتكتمل صورة الجامعة كمؤسسة معرفية من خلال بنيتها البحثية والمكتبية. ويضم مركز السلطان قابوس الثقافي المكتبة الرئيسية، التي صُممت لتكون جزءاً من البنية العلمية للجامعة، إلى جانب مرافق ثقافية وأكاديمية أخرى. وتقدم الجامعة كذلك بيئة بحثية للمتخصصين في الدراسات العُمانية، بما في ذلك الباحثون القادمون من خارج السلطنة.

جامعة السلطان قابوس ليست مجرد شاهد على النهضة التعليمية في عُمان؛ بل هي إحدى المؤسسات التي يمكن من خلالها متابعة تطور هذه النهضة إلى مرحلة إنتاج المعرفة والبحث والابتكار والتعاون الأكاديمي الدولي. وتعكس هذه المؤشرات مجتمعةً اتساع الدور الذي تؤديه الجامعة في التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والتعاون الأكاديمي الدولي، إلى جانب حضورها في المشهد الثقافي والمعماري لعُمان الحديثة.
ومن هنا، فإن زيارة جامعة السلطان قابوس بالنسبة إلى المهتمين بالسياحة العلمية والثقافية ليست مجرد توقف أمام مبنى جامعي؛ إنها فرصة لقراءة فصل من قصة عُمان الحديثة من خلال المؤسسة التي تجمع التعليم، والبحث العلمي، والدراسات الثقافية، والهوية المعمارية في فضاء واحد.