في قلب مسقط القديمة، وفي موقع يواجه قصر العلم على الجانب الآخر من الطريق الاحتفالي، يقف المتحف الوطني العُماني بوصفه أحد أهم المعالم الثقافية في سلطنة عُمان. وليس المتحف مجرد مكان لحفظ القطع الأثرية وعرضها، بل هو مساحة تحكي فيها عُمان قصتها؛ قصة الإنسان والأرض والبحر والتجارة والدين والفنون والعادات والتقاليد، منذ أقدم آثار الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العُمانية وصولاً إلى عُمان الحديثة.

تأسس المتحف الوطني بمرسوم سلطاني عام 2013، بوصفه المؤسسة الثقافية الوطنية الرئيسية المعنية بإبراز التراث الثقافي العُماني المادي وغير المادي. أما المبنى الحالي فقد صُمم خصيصاً ليكون متحفاً وطنياً، وتبلغ مساحته الإجمالية نحو 13700 متر مربع، منها 4000 متر مربع مخصصة لـ14 قاعة عرض دائمة، إضافة إلى مساحة للمعارض المؤقتة. ويضم المتحف اليوم أكثر من 7000 قطعة، إلى جانب تجارب رقمية غامرة ومرافق متخصصة في الحفظ والترميم والتعليم. وتتميز أهمية المتحف، بأنه لا يقدم مجموعة من القطع المنفصلة فحسب، بل يبني سردية تاريخية متسلسلة تفسر تطور المجتمع العُماني وعلاقته بالبيئة والمياه والبحر والتجارة والدين والعمران والعالم الخارجي.
تبدأ رحلة الزيارة من قاعة الأرض والإنسان، التي تضع الإنسان العُماني ضمن سياقه الجغرافي والبيئي. ومن منظور أنثروبولوجي، تمثل القاعة مدخلاً لفهم العلاقة بين السكان والبيئات المتنوعة في عُمان، من السواحل والسهول إلى الجبال والصحارى. وتكتسب هذه البداية أهميتها من كون التاريخ العُماني لا يمكن فصله عن الجغرافيا؛ فالمناخ، وتوزيع المياه، والموقع البحري، والموارد الطبيعية، كلها عوامل أسهمت في تشكيل أنماط الاستيطان والاقتصاد والمجتمع.

تنتقل الرحلة بعد ذلك إلى قاعة التاريخ البحري، التي توثق علاقة عُمان بالبحر على مدى نحو خمسة آلاف عام. وتبرز القاعة الملاحة وصناعة السفن والصيد والتجارة البحرية، وتوضح كيف أصبح الساحل العُماني جزءاً من شبكة واسعة امتدت، خصوصاً خلال العصر الإسلامي، من الصين إلى شرق أفريقيا. كما تعرض نماذج مصغرة لأنواع من السفن التقليدية، في محاولة لشرح التقنيات البحرية والمعارف الملاحية التي طورتها المجتمعات العُمانية.
تقدم قاعة السلاح قراءة تاريخية وتقنية لتطور السلاح التقليدي في عُمان، من عصور ما قبل التاريخ حتى بدايات القرن العشرين. وتنقسم القاعة إلى قسمين رئيسيين: الأسلحة والدروع التقليدية، التي تشمل السيوف والخناجر والرماح والفؤوس والسهام والخنجر العُماني، وقسم البارود والمدفعية الذي يضم البنادق والمدافع. ومن التفاصيل اللافتة أن التصميم المعماري للقاعة مستوحى من أحد أبراج حصن الحزم في محافظة جنوب الباطنة، بما يخلق علاقة مباشرة بين العمارة العسكرية والمجموعات المعروضة.

تركز قاعة المنجز الحضاري على التراث المعماري العُماني وتطوره عبر أكثر من خمسة آلاف عام، من حضارة ماجان في الألفية الثالثة قبل الميلاد إلى العصر الحديث. وتنقسم موضوعاتها إلى ستة محاور تشمل واحة وحصن بهلاء، والعواصم السياسية التاريخية مثل صحار والرستاق ونزوى ومسقط، والحصون والقلاع، والقصور الريفية والبيوت المحصنة، وأنماط المساكن، وأخيراً جماليات العمارة التقليدية. وتتيح القاعة قراءة العمارة ليس باعتبارها شكلاً جمالياً فقط، بل بوصفها انعكاساً للنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تشكلت في عُمان عبر العصور.
تخصص قاعة الأفلاج لنظام إدارة المياه الذي يمثل أحد أهم الابتكارات الهندسية والاجتماعية في تاريخ عُمان. وتتناول القاعة قنوات الأفلاج التي تعتمد على الجاذبية لنقل المياه الجوفية أو مياه العيون أو المياه السطحية لمسافات قد تكون طويلة، لخدمة الزراعة والاستخدامات المنزلية والاقتصادية. وتشير المعروضات إلى أن جذور تقنيات الري في عُمان تعود، وفق الأدلة الأثرية، إلى العصر البرونزي، بينما لا تزال آلاف الأفلاج مستخدمة حتى اليوم. یجدر بالذکر أنه في عام 2006 أُدرجت خمسة أفلاج عُمانية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

تكشف قاعة العملات عن تاريخ اقتصادي يمتد لنحو 2200 عام، بدءاً من أقدم العملات التي سُكّت في عُمان خلال أواخر العصر الحديدي، وصولاً إلى تقنيات المعاملات الرقمية الحديثة. وتتميز المجموعة بأن جزءاً كبيراً من العملات لم يُسك في عُمان، بل وصل إليها عبر شبكات التجارة البرية والبحرية؛ وبعضها اكتُشف ضمن كنوز نقدية دُفنت قبل قرون. ولهذا يمكن قراءة هذه القاعة بوصفها مصدراً لدراسة العلاقات التجارية والتبادل الاقتصادي والتغيرات السياسية، وليس مجرد معرض للعملات القديمة.
تمثل قاعة الخط الزمني نقطة انتقال معمارية وسردية مهمة بين طابقي المتحف. وقد استُلهم شكلها الدائري من برج حصن نزوى، بينما يربط المصعد الزجاجي البانورامي والمنحدر الحلزوني بين الطابقين. وتضم القاعة سبع واجهات عرض صُممت باعتبارها «نوافذ» على مراحل أساسية من التاريخ العُماني، بحيث ينتقل الزائر عبر المكان والزمن في آن واحد. كما تتيح القاعة تفاعلاً مع الجمهور؛ إذ يمكن لآراء الزوار حول الأحداث التاريخية المهمة أن تسهم في تطوير المحتوى المتحفي مستقبلاً.

في الطابق الأول تبدأ المرحلة الأثرية الأكثر تخصصاً من الزيارة، وتبدأ بقاعات ما قبل التاریخ و العصور القدیمة. تقدم هذه القاعة الإطار الأوسع للتاريخ الأثري لشبه الجزيرة العُمانية، حيث تمتد المعروضات عبر أكثر من مليوني عام من الوجود البشري في ثلاث مراحل رئيسية: العصر الحجري القديم المبكر، والعصر البرونزي، والعصر الحديدي. وتشمل المعروضات أدوات وآثاراً توثق التحولات الاجتماعية والاقتصادية خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد وصعود حضارة ماجان، إضافة إلى آثار من العصر الحديدي تتصل بالمعادن والفخار والملابس والأسلحة، فضلاً عن شواهد على الحضور الساساني والبارثي في المنطقة.
وتقع قاعة بات والخطم والعين ضمن قاعات ما قبل التاریخ و العصور القدیمة، وهي المواقع التي تمثل جزءاً مهماً من المشهد الأثري لعُمان في العصر البرونزي. وتكتسب هذه المجموعة أهمية خاصة في دراسة أنماط الاستيطان والعمارة الجنائزية والشبكات التجارية في جنوب شرق الجزيرة العربية القديمة. کما تتناول قاعة أرض اللبان واحداً من أشهر الموارد التاريخية المرتبطة بجنوب عُمان، وهو اللبان المستخرج من شجرة اللبان. فقد ارتبط اللبان بشبكات تجارية بعيدة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، ووصلت طرق تجارته إلى بلاد الرافدين ووادي السند ومصر القديمة. ويضع المتحف هذه التجارة ضمن سياق أوسع من خلال المواقع الأربعة المرتبطة بها والمدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
تنتقل الرواية المتحفية بعد ذلك إلى قاعة عظمة الإسلام، حيث يُقرأ التراث العُماني ضمن السياق الحضاري الإسلامي. وتكتسب هذه القاعة أهمية خاصة لفهم كيفية تفاعل المجتمع العُماني مع التحولات الدينية والثقافية والعلمية التي صاحبت دخول الإسلام وانتشاره، وتطور المؤسسات والممارسات المرتبطة بالحياة الإسلامية. ومن منظر متحفي، تمثل القاعة انتقالاً من التركيز الأساسي على الأدلة الأثرية إلى دراسة التراث الثقافي والفني والفكري الذي تشكل داخل الحضارة الإسلامية في عُمان.

تتناول قاعة عمان والعالم البعد الدولي للتاريخ العُماني، وتبحث في أكثر من خمسة آلاف عام من تبادل البضائع والأشخاص والأفكار بين عُمان والحضارات الأخرى. وتعرض الخرائط والرحلات والوثائق القديمة والأشياء الأثرية لتتبع العلاقات التجارية والثقافية والعلمية والدبلوماسية مع شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وشبه القارة الهندية والشرق الأقصى وأوروبا وأمريكا الشمالية. وتكمن أهمية القاعة في تقديم مفهوم عُمان بوصفها مجتمعاً متصلاً بالعالم، وليس مجرد كيان تاريخي تشكل داخلياً بمعزل عن محيطه.
تخصص قاعة عصر النهضة للمرحلة التي بدأت عام 1970مع تولي المغفور له جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور آل سعيد الحكم، والتي شهدت تحولاً واسعاً في مؤسسات الدولة والبنية الأساسية والتعليم والأمن والعلاقات الخارجية والقوانين والنظم الإدارية. ولا تقتصر القاعة على الاحتفاء بالتحول الحديث، بل تربطه أيضاً بتاريخ أسرة البوسعيد واستمرارية سلطنة عُمان، وصولاً إلى المرحلة المعاصرة في عهد جلالة السلطان المعظم هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد. ومن منظور التاريخ السياسي، تمثل القاعة نهاية التسلسل الزمني للمتحف من خلال ربط التراث التاريخي بمسار بناء عُمان الحديث.
تختتم الرحلة في قاعة التراث غير المادي، التي تنتقل من الأشياء والوثائق والمباني إلى العناصر الثقافية التي لا يمكن اختزالها في قطعة متحفية واحدة. وتشمل موضوعاتها فنون الأداء والموسيقى التقليدية والعادات والممارسات الاجتماعية والطعام والعلاقة بالخيل والجمال وغيرها من أشكال التعبير الثقافي. وتكتسب القاعة أهمية خاصة لأنها توضح أن التراث العُماني ليس ماضياً محفوظاً خلف الزجاج، وإنما منظومة من المعارف والمهارات والممارسات التي ما زال بعضها حياً ومتوارثاً داخل المجتمع.

ومن أبرز التجارب المتحفية أيضاً قاعة المقتنيات ذات مفهوم التخزين المفتوح. فبدلاً من إخفاء معظم مقتنيات المتحف في مخازن لا يراها الجمهور، تسمح هذه الفكرة للزائر بمشاهدة جزء من عمليات إدارة المجموعات والحفظ والتعامل مع القطع الأصلية.
ورغم أن موضوع المتحف هو التاريخ، فإن تجربة الزيارة حديثة ومصممة لتناسب مختلف الفئات. ويضم المتحف تجارب رقمية غامرة، ومركزاً للتعلم، ومرافق متقدمة للحفظ والترميم، وسينما بتقنية العرض فائقة الدقة، ومساحات مخصصة للأطفال. كما روعي في تصميمه توفير بنية متكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، ويُعد المتحف أول متحف في الشرق الأوسط يعتمد الكتابة العربية بطريقة برايل لخدمة الزوار من ذوي الإعاقة البصرية.
فالمتحف الوطني العُماني يمثل نقطة مثالية للبدء في اكتشاف مسقط وعُمان؛ فهو المكان الذي تلتقي فيه الآثار والتاريخ والبحر والإسلام والفنون والذاكرة الشعبية والحداثة في قصة واحدة. وإذا كانت مسقط تقدم للزائر عُمان من خلال شوارعها وقصورها وحصونها وأسواقها، فإن المتحف الوطني يقدم له عُمان من خلال ذاكرتها الثقافية.