المقدمة
ليست مدينة صور، الواقعة في محافظة جنوب الشرقية بسلطنة عُمان، مجرد مدينة تطل على بحر العرب؛ بل هي واحدة من أهم المدن التي تشكّلت هويتها التاريخية والاقتصادية حول البحر. فمنذ قرون، ارتبط اسمها بصناعة السفن الخشبية والملاحة والتجارة البحرية، وتحولت موانئها وورشها إلى نقاط انطلاق لسفن عبرت الخليج العربي والمحيط الهندي، ووصلت إلى الهند وشرق أفريقيا وموانئ العالم القديم.
واليوم، لا تزال صناعة السفن التقليدية تمثل أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية لصور، رغم التحولات الكبيرة التي فرضتها صناعة السفن الحديثة وتراجع أعداد الحرفيين المتخصصين.

حرفة تقوم على المعرفة قبل الأدوات
تشتهر صور بصناعة أنواع متعددة من السفن والقوارب التقليدية، ومن أبرزها الغنجة والبوم والجالبوت والسنبوق. ولم تكن صناعة هذه السفن عملية ميكانيكية تعتمد على مخططات هندسية ثابتة؛ بل كانت تقوم، بدرجة كبيرة، على الخبرة المتوارثة والقياسات التي يحفظها صانع السفينة في ذاكرته.
وتبدأ الرحلة باختيار الأخشاب المناسبة، ثم تشكيل هيكل السفينة وتركيب ألواحها بدقة، قبل الانتقال إلى أعمال التشطيب والتجهيز. ولهذا تتطلب صناعة سفينة خشبية كبيرة سنوات من الخبرة، وقد يستغرق إنجاز بعض السفن الضخمة ما يقارب عامين من العمل المتواصل.
ولا تزال صناعة السفن في صور تعتمد على عدد محدود من الحرفيين المتخصصين. ففي عام 2024، أشارت تقارير صحفية إلى مصنع للسفن التقليدية في منطقة خور البطح، على مقربة من مدينة صور، تبلغ مساحته نحو 7 آلاف متر مربع ويعمل فيه 20 شخصاً، في دلالة واضحة على أن هذا القطاع ما زال قائماً، وإن كان يعتمد على المهارة الحرفية أكثر من الإنتاج الصناعي واسع النطاق.

أسعار السفن: من منتج حرفي إلى استثمار مرتفع القيمة
لا توجد قائمة أسعار موحدة للسفن المصنوعة في صور؛ فكل سفينة تُبنى تقريباً وفق طلب خاص، ويتحدد سعرها بحسب الحجم ونوع الأخشاب والتجهيزات والغرض من استخدامها.
لكن بعض البيانات المنشورة تكشف عن القيمة الاقتصادية الكبيرة لهذه الصناعة. فقد بلغت تكلفة بناء سفينة من نوع «شوعي» بثلاثة طوابق، خُصصت لمشروع مطعم عائم، نحو 150 ألف ريال عُماني. أما سفينة «غنجة» ضخمة، يبلغ طولها نحو 50 متراً وعرضها 10 أمتار وارتفاعها 7 أمتار، فقد قُدرت تكلفة صناعتها بنحو 300 ألف ريال عُماني.
وهذه الأرقام توضح أن السفن التقليدية لم تعد مجرد وسائل نقل بحرية؛ بل أصبحت أيضاً مشاريع سياحية وتجارية ذات قيمة استثمارية مرتفعة. كما تستقبل ورش صور طلبات من دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول العربية، وفقاً لشهادات منشورة لصناع السفن المحليين.

صور وصناعة السفن في بناء القوة العُمانية خلال القرن التاسع عشر
لم يكن ازدهار القوة العُمانية في القرن التاسع عشر حدثاً سياسياً منفصلاً عن تاريخها البحري؛ فالبحر كان أحد أهم مصادر القوة والثروة والنفوذ في الدولة العُمانية. ومع اتساع العلاقات التجارية العُمانية في المحيط الهندي وشرق أفريقيا، أصبحت السفن وسيلة استراتيجية لنقل التجارة والجنود وربط الموانئ العُمانية بالمناطق الواقعة تحت النفوذ العُماني.
وفي عهد السلطان سعيد بن سلطان، الذي حكم عُمان وزنجبار خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، بلغ النفوذ البحري والتجاري العُماني مرحلة بارزة من ازدهاره. فقد امتدت شبكة العلاقات العُمانية من سواحل شبه الجزيرة العربية إلى موانئ شرق أفريقيا والهند، وأصبحت زنجبار مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً للدولة العُمانية.
وفي هذا السياق، أدت مدينة صور دوراً يتجاوز حدودها المحلية؛ إذ كانت خبرتها المتراكمة في بناء السفن وصيانتها جزءاً من البنية البحرية التي دعمت التجارة والتنقل بين مراكز النفوذ العُماني. فالسفن التي صُنعت في صور، أو استندت إلى التقاليد البحرية التي اشتهرت بها المدينة، لم تكن مجرد وسائل لنقل البضائع، بل كانت أدوات للاتصال الاقتصادي والسياسي بين عُمان وشرق أفريقيا ومناطق المحيط الهندي.
وتشير المصادر التاريخية إلى قوة العلاقة البحرية بين صور وزنجبار؛ فقد سُجلت مئات السفن المرتبطة بصور في شبكات الملاحة والتجارة في تلك المنطقة. وهذا الحضور يوضح أن صناعة السفن لم تكن حرفة معزولة، بل كانت جزءاً من اقتصاد بحري متكامل أسهم في دعم مكانة عُمان بوصفها قوة بحرية مؤثرة خلال القرن التاسع عشر.
ومن ثم، يمكن القول إن صناعة السفن في صور كانت أحد العناصر التي ساعدت، إلى جانب الموانئ والتجارة والخبرة البحرية والسياسات السياسية، على توفير البنية العملية اللازمة لتوسع النفوذ العُماني. فالإمبراطوريات البحرية لا تُبنى بالقرارات السياسية وحدها، وإنما تحتاج إلى سفن قادرة على عبور المسافات الطويلة، وحرفيين يمتلكون معرفة بنائها وصيانتها، ومدن بحرية تستطيع أن تمد الدولة باستمرار بالخبرة والموارد.
وهكذا، ارتبطت مطارق صناع السفن في صور بتاريخ أكبر من حدود المدينة نفسها؛ إذ كانت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً من المنظومة البحرية التي حملت الحضور العُماني إلى سواحل شرق أفريقيا وجزر المحيط الهندي خلال أحد أكثر عصور عُمان البحرية ازدهاراً.

«فتح الخير»… رحلةٌ إلى قلب التاريخ البحري العُماني
في قلب مدينة صور العُمانية، المدينة التي ارتبط اسمها منذ قرون بالبحر والسفن والأسفار البعيدة، يقف مركز فتح الخير بوصفه واحداً من أبرز المعالم التي تمنح الزائر فرصةً فريدة لاكتشاف جانب مهم من التاريخ البحري لسلطنة عُمان. فهذا المركز ليس مجرد مكان لعرض سفينة قديمة، بل هو نافذة مفتوحة على عصرٍ كانت فيه السفن العُمانية تجوب المحيط الهندي وتربط موانئ عُمان بسواحل شرق أفريقيا والهند ومناطق أخرى من العالم.
ويحتضن المركز سفينة «فتح الخير»، وهي واحدة من أشهر السفن التقليدية العُمانية، وتمثل نموذجاً حياً للمهارة التي بلغها صناع السفن في مدينة صور. وقد تحولت هذه السفينة، بما تحمله من تاريخ وذاكرة، إلى رمز للتراث البحري العُماني وإلى شاهدٍ على المكانة التي احتلتها صور في تاريخ الملاحة وصناعة السفن.
ومنذ افتتاح المركز، أصبح مقصداً للزوار والمهتمين بالتراث البحري، إذ لا يقتصر على عرض السفينة فحسب، بل يقدم للزائر رحلة معرفية للتعرف إلى أدوات الملاحة التقليدية، وأنواع السفن العُمانية، وأساليب بنائها، وحياة البحارة الذين أمضوا شهوراً طويلة في عرض البحر.
وتكمن جاذبية مركز فتح الخير في أنه يربط بين التجربة السياحية والمعرفة التاريخية؛ فالزائر لا يشاهد قطعةً تراثية صامتة، بل يقترب من قصة مدينةٍ صنع أهلها سفنهم بأيديهم، ثم حملتهم تلك السفن إلى آفاق بعيدة عبر المحيطات.
وقد استقبل المركز، منذ افتتاحه وحتى نهاية أبريل 2024، 29,586 زائراً من مختلف الجنسيات، وهو رقم يعكس المكانة المتنامية للمركز بوصفه أحد المعالم الثقافية والسياحية المهمة في مدينة صور.
وبالنسبة إلى السائح الذي يزور محافظة جنوب الشرقية، فإن زيارة مركز فتح الخير تمثل فرصةً لاكتشاف وجه مختلف من عُمان؛ وجهٌ لا يظهر في القلاع والأسواق والجبال وحدها، بل يتجلى أيضاً في البحر. وبين أخشاب السفينة العتيقة وأدوات البحارة وقصص الرحلات الطويلة، يكتشف الزائر كيف استطاع البحر أن يتحول، عبر التاريخ، من حدودٍ جغرافية إلى جسرٍ ربط عُمان بالعالم.
ولهذا، فإن مركز فتح الخير لا يحفظ سفينة من الماضي فحسب؛ بل يحفظ قصة أمةٍ بحرية، ويمنح زائري مدينة صور فرصةً للإبحار في صفحات تاريخ عُمان دون مغادرة اليابسة.

كيف تحافظ عُمان على هذه الصناعة؟
تعمل الجهات العُمانية اليوم على حماية صناعة السفن من خلال أكثر من مسار. ففي عام 2024 نظمت وزارة التراث والسياحة فعالية «الأشرعة البيضاء» في مصنع السفن بمدينة صور، وشملت ورشاً وتجارب عملية للتعريف بصناعة السفن والأشرعة والتراث البحري للمنطقة.
كما يستمر برنامج «الوستاد» التدريبي المتخصص في صناعة نماذج السفن العُمانية التقليدية، بهدف نقل المهارات الحرفية إلى الأجيال الشابة ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة المرتبطة بالهوية الثقافية.
وتتجه عُمان كذلك إلى الاستثمار في البنية الثقافية للتراث البحري؛ إذ وُقعت في أكتوبر 2024 اتفاقيات بقيمة 12 مليون ريال عُماني لتمويل المراحل الأولى لمشروع متحف التاريخ البحري في ولاية صور.

مستقبل يُبحر بين التراث والاستثمار
إن مستقبل صناعة السفن في صور لا يكمن في منافسة السفن الخشبية للسفن الفولاذية الحديثة، بل في إعادة اكتشاف قيمتها الاقتصادية والثقافية.
فهذه الصناعة تمتلك فرصاً واعدة في مجالات السياحة البحرية، والمطاعم والفنادق العائمة، والمنتجات التراثية الفاخرة، والمتاحف، والفعاليات الثقافية، إضافة إلى صناعة النماذج الدقيقة للسفن التقليدية.
إن صور لا تصنع اليوم مجرد سفن من الخشب؛ إنها تحاول أن تحوّل خبرة بحرية عمرها قرون إلى مورد اقتصادي للمستقبل. وبين صوت المطرقة على ألواح الخشب وهدير البحر عند خور البطح، تستمر حكاية مدينة أدركت منذ زمن بعيد أن الطريق إلى العالم يبدأ أحياناً من سفينة صغيرة.
